محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
156
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
الأولى ، فإن عددا كبيرا من ألفاظ الخطاب الإلهي كانت قد أضيئت أو ثبّتت معانيها وفسّرت بمعونة الأبيات المستمدة من الشعر العربي القديم . وكانوا يرفقون ذلك بالإشارة البسيطة التالية : « وكما قال الشاعر » . هذا يعني أنهم لكي يثبّتوا شكل الوحي ومضمونه المعياريين ، فإن المفسّرين القدماء قد استمدوا معلوماتهم من دون تمحيص من ذلك الخضمّ المعقّد من المعطيات اللغوية ، والأدبية ، والتاريخية ، والتبجيلية ، والأسطورية المتراكمة طيلة ثلاثة قرون من الفعالية المتعددة الجوانب والعلوم ( شارك فيها علم النحو ، وفقه اللغة ، وعلم المعاجم والألفاظ ، وعلم السير ، وعلم تاريخ المناطق ، والتشريع ، والمنتخبات . . . إلخ . ) . ولحسن الحظ ، فإن البحث العلمي الحالي يتجه نحو التوضيح التاريخي لتلك الفترة القديمة من التاريخ . وهي فترة معقّدة ومشوشة جدا . إنها الفترة التي كان فيها القرآن يمثّل الرهان الأقصى ، والهيبة العليا المطلقة ، وسلاح الكفاح ، ومصدر الأمل ، والملجأ الذي لا يعوّض في الأوقات الحرجة . المجريات هناك علاقة تبعية ووظائفية وثيقة بين المبادئ المعرفية التي انتهينا من تحديدها للتوّ ، وبين مجمل مجريات العرض المشتركة لكل الأدبيات التفسيرية . فالمبادئ تولّد منهجية معيّنة ، ثم تتلقى من هذه المنهجية في خط الرجعة نوعا من التماسك والرسوخ . والمجريات « * » الأكثر تمايزا وخصوصية هي تلك التي ستبدو بوضوح في مقطعين لدى الطبري والرازي . المقطع الأول هو عبارة عن حكاية تأطيرية رويت داخلها قصة الظروف المباشرة التي أدّت إلى نزول سورة الكهف كلها . والطبريّ يقدّم هذه الحكاية الكلاسيكية منذ بداية تفسيره للآية الأولى . وقبله كان مقاتل بن سليمان « 1 » ( ت 150 ه / 767 م ) المعاصر لابن إسحاق ( ت 151 ه / 768 م ) قد نقل الحكاية نفسها ولكن بخصوص تفسير الآية التاسعة من السورة ذاتها . ونلاحظ أن فخر الدين الرازي يتبع مثال مقاتل وينقل ، كالطبري ، رواية ابن إسحاق . يقول الطبري في تفسيره :
--> * المقصود بها المجريات المنهجية التي يستخدمها المفسّرون القدماء لتفسير سور القرآن . وهي مجريات تتحكّم بها المبادئ المعرفية الخمسة ( أو المسلمات المعرفية ) المذكورة آنفا . فهناك علاقة بين المسلمات البدهية وبين المنهج ، لأن المنهج ليس إلّا تطبيقا عمليا للمسلّمات . ولكنه إذ يطبّقها يؤكّدها ويرسّخها ويثبّت مصداقيتها في خط الرجعة . أما الحكاية التأطيرية فهي في الواقع أسباب النزول . ومعلوم أن المفسّرين القدماء كانوا يسبقون تفسير كل سورة بإيراد أسباب نزولها على هيئة قصّة أو حكاية تؤطّر لها وتموضعها ضمن سياقها . ( 1 ) انظر نص مقاتل الذي استشهد به وانسبرو في كتابه : 122 . p ، . op . cit ، . . . Studies Quranic